2/15/2026 12:24:07 AM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
سياحة
رياضة
دراسات وأبحاث
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
أيوب التميمي
الحياة الداعرة: موتٌ صامت بلا جنازة..!!
2/14/2026
الحياة الداعرة: موتٌ صامت بلا جنازة السبت، 14 فبراير 2026م بقلم | أيوب التميمي هل تساءلت يومًا عن معنى أن تكون حيًّا؟ ليس مجرد نبض في الصدر أو حركة للجسد، بل حضور للروح، ووعي بالوجود، واستجابة للقدر. الحياة الحقيقية ليست بعدد السنين، ولا كثافة الأحداث، بل بمقدار عمقك فيها، وصدقك مع نفسك في مواجهة الفراغ والسطحية. هناك موتٌ لا يُرى، موتٌ صامت، يبدأ حين ننسى لماذا نعيش، وحين نبيع جوهرنا مقابل متع عابرة تُخدّر الروح وتُفرّغ القلب. إنه الموت الذي يسبق الموت البيولوجي، موتٌ معنوي يسحب الإنسان من كينونته تدريجيًا، دون أن يلاحظ. يقول أوفيد: «أن تحيا حياةً داعرة هو نوع من الموت». لم يكن يتحدث عن الجسد بقدر ما كان يرثي الروح؛ تلك التي لا تموت دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، بصمت، تحت وطأة الاعتياد، وتحت إغراء السهولة، وتحت وطأة حياة لا تطلب من صاحبها أن يكون أكثر من مستهلك جيد. الموت الذي قصده أوفيد ليس حدثًا بيولوجيًا، بل حالة وجودية. إنه اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن أن يكون سؤالًا، ويتحول إلى إجابة جاهزة. اللحظة التي يكفّ فيها عن القلق، لا لأنه وجد المعنى، بل لأنه فقد القدرة على البحث عنه. فالإنسان لا يفقد نفسه حين يعاني، بل حين يتوقف عن الإحساس بأن هناك ما يستحق المعاناة من أجله. الحياة الداعرة، بهذا المعنى، ليست حياة الفجور الحسي، بل حياة التفاهة الوجودية. هي الحياة التي تُختزل إلى سلسلة من الإشباعات الصغيرة، التي لا تبني روحًا، بل تستهلكها. هي أن تستبدل العمق بالإثارة، والمعنى بالمتعة، والغاية باللحظة. أن تعيش لتملأ الوقت، لا لتملأ الوجود. في هذه الحياة، لا يعود الإنسان كائنًا حرًّا، بل كائنًا مُدارًا. تُحرّكه رغباته كما تُحرّك الخيوط دمية. يظن أنه يختار، بينما هو في الحقيقة يُختار له. يظن أنه يعيش، بينما هو فقط يؤجل موته الحقيقي، موت المعنى داخله. إن أخطر ما في هذه الحياة ليس أنها فاسدة، بل أنها مريحة. فالفساد الصاخب يمكن مقاومته، أما الفراغ الهادئ فيتسلل دون أن يُلاحظ. إنه لا يصدمك، بل يُخدّرك. لا يهدمك دفعة واحدة، بل يُفرغك تدريجيًا، حتى تصبح نسخة خفيفة من نفسك، بلا ثقل، بلا جذور، بلا ضرورة. وحين يفقد الإنسان ضرورته، يفقد مبرر وجوده. الإنسان الحقيقي ليس من يعيش أطول، بل من يعيش أعمق. ليس من جمع أكثر، بل من أصبح أكثر. لأن الوجود ليس كمية من الزمن، بل كثافة من المعنى. وكل حياة لا تضيف إلى صاحبها بُعدًا جديدًا، إنما تخصم منه بصمت. في النهاية، الحياة ليست ما تمر به، بل ما تصنعه من نفسك. كل لحظة بلا عمق، كل رضا بالسطحية، كل بيع للروح لمتعة عابرة، هو موت مؤجل. الحياة الحقيقية تبدأ حين تقف أمام الفراغ بلا خوف، وتسأل نفسك السؤال الأصعب: هل أعيش حقًا، أم أنني مجرد ظل يمضي في فراغ يحترف خداعي؟ لا تنتظر أن يموت الجسد لتدرك أنك فارغ. عش بوعي، تحرك بصدق، وتحدّ السطحية التي تلتهمك. فالحياة التي تُختزل إلى لذة مؤقتة هي موت قبل الأوان، وأنت الوحيد القادر على قلب المعادلة لتكون حيًّا بحق، لا مجرد جسم يتحرك. إن الحياة الداعرة هي أن تخون إمكاناتك. أن تقبل بأن تكون أقل مما تستطيع. أن ترضى بأن تمرّ في هذا العالم مرور الظل، لا حضور الكينونة. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم سنعيش؟ بل: هل سنكون أحياء حقًا حين نعيش؟ فكثيرون يموتون في الأربعين، لكنهم لا يُدفنون إلا في الثمانين.