2/25/2026 1:59:37 AM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
سياحة
رياضة
دراسات وأبحاث
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
الكاتب/قصي المحطوري
اقتصاد "الله يفرجها": نظريات عالمية تسقط في بقالة الحارة..!!
2/24/2026
اقتصاد "الله يفرجها": نظريات عالمية تسقط في بقالة الحارة..!! بقلم/قصي المحطوري إذا أرادت كبرى كليات إدارة الأعمال في العالم أن تختبر نظرياتها حول "إدارة الأزمات" أو "التمويل بالعجز"، فعليها أن ترسل باحثيها لقضاء شهر رمضان مع أسرة يمنية متوسطة (أو ما تبقى من هذه الطبقة). هنا تسقط كل المعادلات، وتنهار مبادئ التدفقات النقدية، ونقف أمام أعظم لغز مالي في العصر الحديث: كيف تصرف أسرة يمنية ميزانية تعادل ثلاثة أضعاف دخلها... الذي هو في الأساس "صفر"؟! 1. "التمويل بالعجز" ومعجزة التدفقات النقدية المخفية في علم الاقتصاد التقليدي، الإنفاق يوازي الدخل زائد الائتمان (الاقتراض). في اليمن، الإنفاق في رمضان يوازي "الراتب المنقطع" مضروباً في "البركة"، مقسوماً على "الله يفرجها". الأسرة اليمنية تدير ميزانية رمضانية ضخمة تعتمد على مصادر تمويل غير مرئية لأي نظام مصرفي. إنه اقتصاد الظل في أبهى تجلياته، حيث يتحول رب الأسرة إلى مدير مالي محترف، يمارس عمليات تدوير للديون وهندسة مالية ترقيعية، تضمن وجود "الشفوت" و"السمبوسة" على المائدة، حتى لو كان الثمن أزمة سيولة خانقة في يوم العيد. 2. دفتر الدكان.. "البنك المركزي" البديل والشمول المالي المقلوب في ظل غياب الثقة أو القدرة على الوصول إلى خدمات مالية رقمية متطورة، يخلق الشارع اليمني نظامه الخاص للشمول المالي. "دفتر الديون" في بقالة الحارة ليس مجرد كراسة بالية؛ إنه بمثابة "البنك المركزي" الذي يمنح التسهيلات الائتمانية للمواطنين. صاحب البقالة يمارس دور إدارة المخاطر، ويقيم الجدارة الائتمانية لزبائنه بناءً على "المعرفة" و"الوجه". في رمضان، تتوسع هذه التسهيلات الائتمانية بشكل مرعب لتغطية الطلب الهستيري على السلع الاستهلاكية، في منظومة ائتمان غير رسمية تُبقي المجتمع واقفاً على قدميه. 3. شريان الحوالات.. قبلة الحياة للاقتصاد الموازي لولا التحويلات المالية للمغتربين والتدخلات الإنسانية، لانهار هذا الهيكل المالي الهش في أول أيام الصيام. شبكات الصرافة والتحويلات تمثل الأوردة التي تضخ الدم في جسد الاقتصاد الرمضاني المنهك. رسالة نصية برقم حوالة من أخ في الغربة أو ابن كادح كفيلة بإحداث انتعاش اقتصادي مصغر في محيط الأسرة، وسداد جزء من العجز المتراكم في "دفتر الدكان"، قبل البدء في دورة استدانة جديدة استعداداً لملابس العيد. 4. "الجمعيات" التعاونية.. صناديق استثمار بطعم التكافل تلجأ الأمهات والزوجات إلى أداة مالية عتيقة وفعالة: "الجمعية". مجموعة من الجيران أو الأقارب يدفعون مبالغ شهرية بسيطة، ليقبضها أحدهم بالدور. في رمضان، من يكون عليه الدور للقبض يعتبر قد فاز بـ"الجائزة الكبرى". هذه الجمعيات هي النسخة اليمنية من مؤسسات التمويل الأصغر، وتعمل بكفاءة عالية وبنسبة تعثر شبه معدومة، لأن الضامن هنا هو العرف الاجتماعي والحياء، وليس الشيكات أو الضمانات البنكية. الخلاصة: المواطن اليمني في رمضان لا يعيش، بل "يدير أزمة سيولة" على مدار الساعة. يبتكر حلولاً مالية من العدم، ويخلق قوة شرائية وهمية تحرك الأسواق المزدحمة، في مشهد سريالي يثبت أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام وحسابات بنكية، بل هو، في جوهره، قدرة بشرية هائلة على التكيف والبقاء