4/18/2026 1:59:08 AM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
اخبار محلية
رياضة
تقارير وتحقيقات
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
الكاتب/قصي المحطوري
رغيف الكرامة: حراس الفضيلة في مواجهة غزو الجيوب الفارغة
4/17/2026
رغيف الكرامة: حراس الفضيلة في مواجهة غزو الجيوب الفارغة مقالات «أجراس - اليمن» بقلم/ قصي المحطوري يقولون في الأمثال القديمة، مواساةً للقلوب المتعبة: "الفقر ليس عيباً". لكني أقف اليوم، بكل هدوء وحرص، لأهمس في أذن كل مسؤول ومواطن على هذه الأرض الطيبة: بل الفقر عيب... وعيبٌ كبيرٌ جداً. هو عيبٌ في جبين الدولة التي تعجز عن إدارة مقدراتها، وعيبٌ على مجتمعٍ يُطَبِّع مع الحرمان، وعيبٌ على الفرد إن استكان له ورضي بالدونية. لم يأتِ الفقر يوماً ممتطياً صهوة العزة والكرامة، بل يتسلل دائماً حاملاً في عباءته الرذيلة، والمهانة، والذلة. معارك المنابر في سياقنا المنهك، نقف أمام مفارقة مبكية مضحكة. نرى الجهود تُستنفر، والمنابر تصدح، والاجتماعات تُعقد للتحذير من "الغزو الفكري"، و"الحرب الناعمة"، و"الانحلال الأخلاقي" القادم من وراء البحار ليدمر قيمنا. يا لها من يقظة مثيرة للإعجاب! فالدولة، في غمرة عجزها عن توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة، تقرر ببسالة أن تتحول إلى حارس شخصي لـ"أخلاق وولاء" المواطن. المفارقة الساخرة هنا، أن هذا المواطن الذي يُراد حمايته من ثقافات الغرب ومؤامرات الخارج، مشغولٌ ذهنياً بـ"غزو" من نوع آخر؛ غزو الديون لدفتر البقالة المجاورة، وحرب طاحنة في جبهة توفير وجبة عشاء لأطفاله. إن محاولة إقناع أبٍ يعتصر الألم قلبه خجلاً من أبنائه، بأن الخطر الحقيقي الذي يهدده يكمن في "مؤامرة فكرية خارجية"، تشبه تماماً إعطاء مظلة فاخرة لرجل يغرق في قاع المحيط؛ نية طيبة ربما، لكنها تغرد خارج سرب الواقع تماماً! طاحونة الفقر: عندما يصبح البقاء أهم من الاستقامة دعونا نتحدث بصدقٍ مجرد من الاتهامات. الفقر ليس مجرد نقص في السيولة النقدية، بل هو عامل ضغط نفسي واجتماعي يسحق أعتى المبادئ والقيم. حين يشتد الخناق، ويتحول الهدف الأسمى للإنسان من "العيش بكرامة" إلى مجرد "البقاء الفيزيولوجي"، تبدأ السلوكيات الدفاعية الموحشة في الظهور. في ظل تفاقم الفجوات، وانعدام التعليم، وانتشار سوء التغذية، تُنتج لنا المعاناة ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الفقر"؛ بيئة يسودها اليأس، وتضعف فيها الضوابط الداخلية، ليصبح الكذب، أو الرشوة، أو حتى التضحية بالشرف والعِرض وخيانة الوطن، خياراتٍ مطروحة على طاولة النجاة. نعم، قد يكون الفقر اختباراً للصبر، وكثيرون يعتصمون بحبل التربية المتينة والوازع الديني المتماسك، لكن الأخلاق تتآكل حتماً إن لم تجد بنية قوية من الكرامة الإنسانية تسندها أمام نوائب الدهر. التحصين الحقيقي: التنمية والتحديث قبل المواعظ وبدافع الخوف على هذا النسيج المجتمعي من التمزق، أقول لمن بيده الأمر: إن أردتم حقاً تحصين المجتمع من الانحلال، فوجهوا بوصلة الجهود نحو التنمية وبناء القدرات الوطنية. الدرع الواقي لأي أمة لا يُصنع من الخطب الرنانة، بل يُنسج من خلال تمكين الناس، وتحديث الهياكل الاقتصادية، وخلق مسارات للشمول المالي والنمو المعيشي. عندما يشعر المواطن أن دولته تخطط لمستقبله، وتعمل على إشراكه في عجلة الإنتاج، سيمتلك من المناعة الذاتية ما يجعله عصياً على أي غزو فكري. فالانحلال المجتمعي يُعالج بتوفير الفرص المتساوية والعدالة، لا بتجاهل الأزمة واختلاق أعداء وهميين. رفيق الفقر المرعب في النهاية، يجب أن ندرك أن الخطر الحقيقي لا يتسلل إلينا عبر شاشات الهواتف والتلفزيون أو موجات الراديو، بل يولد في العشوائيات المنسية، ويكبر في بطون الجياع، ويترعرع في الانكسار الصامت بعيون الآباء العاجزين. الغزو الفكري يحتاج إلى عقل فارغ ليحتله، أما الجوع فلا يحتاج إلا لبطنٍ خاوية ليفترس كل ما في طريقه من دين وقيم وانتماء. تذكروا جيداً هذه الحقيقة المرعبة، قبل أن تبحثوا عن مؤامرات خلف الحدود: يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ما دخل الفقر بلداً إلا وقال له الكفر: خذني معك". من صفحة الكاتب – فيسبوك