6/3/2026 7:22:47 PM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
اخبار محلية
رياضة
تقارير وتحقيقات
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
الكاتب/قصي المحطوري
المحطوري يكتب| الولاية بين الشعار والعمران..!!
6/3/2026
المحطوري يكتب| الولاية بين الشعار والعمران..!! بقلم/قصي المحطوري كثيرًا ما يُطرح مفهوم الولاية في سياق الانتماء والولاء والاصطفاف، أو في إطار المواجهة مع التحديات والأخطار الخارجية. وهذه المعاني تمثل جانبًا مهمًا من المفهوم، لكنها لا تستوعب كل أبعاده ولا تجسد كامل رسالته الحضارية. وحين يطرح ويوضح السيد عبد الملك الحوثي مبدأ "الولاية"، فإنه لا يستدعيه كحادثة تاريخية مجردة، أو مبدأ يحتاج لشرحه كل عام وفي مناسبة محددة، بل يُقدّمه كمنظومة حكم متكاملة، ومشروع للتحرر يمتد من التولي المطلق للحق، ليصطدم مباشرة بجذور الاستلاب، والفساد، والارتهان في واقعنا المعاصر. فالولاية في جوهرها ليست مجرد علاقة سياسية أو عاطفية، وإنما منظومة متكاملة لإدارة شؤون الأمة وحماية مصالحها وتحقيق الخير للناس في دنياهم وآخرتهم. وعندما نتأمل في القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ونهج الإمام علي عليه السلام، نجد أن الولاية ارتبطت دائمًا بالعدل والرحمة والإصلاح وإقامة الحق وحفظ كرامة الإنسان. ومن هنا يمكن النظر إلى الولاية باعتبارها مشروعًا للعمران والنهوض، لا مجرد مشروع للمواجهة والصمود. فأولياء الله الحقيقيون لا يكتفون بحماية حدود وأفكار الأمة، بل يعملون على حماية كرامة الناس ومعاشهم ومستقبل أبنائهم. والولاية كمبدأ ومنهج لا تقاس فقط بمقدار ما تتحدث عنها أو تحاول إقناع الناس الجوعى بها، وإنما بمقدار ما تحققه من عدل وإنجاز واستقرار وتنمية. ولعل من أعمق ما ورد في هذا السياق ما أوصى به الإمام علي عليه السلام مالك الأشتر عندما ولاه مصر، حيث ركز على بناء الدولة العادلة وإقامة المؤسسات وخدمة الناس وتحقيق التنمية. ومن أشهر وصاياه قوله: "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج." هذه العبارة تختصر فلسفة اقتصادية وإدارية متقدمة سبق بها الإمام علي كثيرًا من النظريات الحديثة. فهو يؤكد أن التنمية تسبق الإيرادات، وأن بناء الاقتصاد أهم من البحث عن الجبايات، وأن إعمار الأرض هو الطريق الحقيقي لازدهار الدولة وقوتها. فالدولة التي تنشغل بتحصيل الموارد دون تنمية مصادرها تشبه من يستهلك رأس ماله حتى يفقده، أما الدولة التي تستثمر في الإنسان والإنتاج والبنية التحتية فإن مواردها تنمو بصورة طبيعية ومستدامة. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن مكافحة الفقر ليست قضية اقتصادية فحسب، بل هي جزء أصيل من مفهوم الولاية. فالفقر يحرم الإنسان من كثير من خياراته، ويضعف المجتمع، ويجعل الأمة أكثر عرضة للتبعية والاستقطاب والارتهان. كما أن بناء اقتصاد قوي ومنتج ليس هدفًا ماديًا مجردًا، بل هو وسيلة لحماية استقلال الأمة وقرارها وسيادتها. ولهذا فإن الزراعة والصناعة والتعليم والتكنولوجيا والتحول الرقمي والشمول المالي ليست ملفات منفصلة عن مشروع الولاية، بل أدوات عملية لتحقيق مقاصده. فعندما تصل الخدمات المالية إلى كل مواطن، وعندما يتمكن المزارع من الوصول إلى التمويل، وصاحب المشروع من الحصول على فرصته، والموظف من إنجاز معاملاته بسهولة وشفافية، فإن ذلك يسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وكفاءة واستقرارًا. كما أن تطوير نظم المدفوعات والخدمات المالية الرقمية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تحديث تقني، بل باعتباره جزءًا من بناء سيادة اقتصادية حقيقية، تمكن الدولة من إدارة مواردها بكفاءة، وتعزز الشفافية، وتحد من الفساد، وتوسع دائرة المشاركة الاقتصادية. كما إن التولي الصادق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "البراءة من أعداء الله". وفي العصر الحديث، تجسد قوى الهيمنة العالمية (وعلى رأسها أمريكا) استكبارها عبر احتكار النظام المالي العالمي، وأدوات التحويلات الدولية، ومنصات التقنية. الارتهان لهذه المنظومة هو خضوع لوصاية أجنبية ناعمة وقاتلة في آن واحد. ومن أهم المعاني التي ينبغي استحضارها في هذا السياق أن الولاية تتعارض بطبيعتها مع الفساد. فالفساد لا ينهب المال العام فقط، بل يهدر فرص التنمية، ويعطل مصالح الناس، ويقوض ثقتهم بالمؤسسات، ويؤخر نهضة المجتمع. ولهذا كان الإمام علي عليه السلام شديد الحرص على اختيار الأكفاء، ومحاسبة المقصرين، ومنع استغلال السلطة للمصالح الشخصية. فالولاية ليست امتيازًا، وإنما مسؤولية. وليست تشريفًا، وإنما تكليف. وهي تقتضي أن يتقدم أصحاب الكفاءة والنزاهة والشجاعة لتحمل مسؤولياتهم، وأن تُمنح الفرصة لمن يملك القدرة على الإنجاز وخدمة الناس. كما أن الولاية لا تنسجم مع التردد والعجز والجمود. فالأمم تتقدم بالقرارات الشجاعة والرؤى الواضحة والعمل الجاد، لا بالتسويف وانتظار الظروف المثالية. والشجاعة هنا لا تعني التهور، بل تعني القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، والانحياز لمستقبل الأمة مهما كانت التحديات. إن الأمة اليوم بحاجة إلى قراءة أوسع لمفهوم الولاية؛ قراءة تجعل من تحسين حياة الناس معيارًا للنجاح، ومن مكافحة الفقر هدفًا وطنيًا، ومن محاربة الفساد واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، ومن التنمية الاقتصادية مشروعًا إيمانيًا وحضاريًا. فالولاية التي تحفظ للأمة دينها ينبغي أن تحفظ لها أيضًا كرامتها المعيشية. والولاية التي تحميها من الهيمنة الخارجية ينبغي أن تحميها كذلك من الفقر والبطالة والتخلف والفساد وكل ما يمكن أن يضطرها للارتهان لأي هيمنة خارجية. وعندما تتحول الولاية إلى مشروع متكامل للعدل والعمران والتنمية، فإنها تصبح قوة دافعة لبناء الإنسان والدولة معًا، وتجسيدًا عمليًا للقيم التي جاء بها الإسلام، وسعى إلى ترسيخها الرسول الأعظم والإمام علي عليهم السلام. وفي النهاية، قد يكون من المفيد أن ننظر إلى الولاية باعتبارها إدارة النهوض بالأمة، لا مجرد إدارة الصراع مع خصومها. فالأمم لا تقاس فقط بما تدفعه من أخطار، بل بما تبنيه من مستقبل، وما تحققه من كرامة وعدالة وازدهار لأبنائها. قصي المحطوري