6/30/2026 8:06:55 PM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
اخبار محلية
رياضة
تقارير وتحقيقات
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
د. فهد الهريش
فهد الهريش «الدولة لا تُبنى بالإقصاء..يا أولياء »
6/30/2026
فهد الهريش «الدولة لا تُبنى بالإقصاء..يا أولياء » الثلاثاء ـ 30 يونيو،2026م مقالات| «أجراس- اليمن » بقلم/د.فهد الهريش حين تتحول الدولة إلى غنيمة، تصبح الشراكة جريمة، ويغدو كل صوت مستقل هدفًا للإقصاء. وما نشهده اليوم ليس مجرد خلافات شكلية أو تغييرات طبيعية في مواقع السلطة، بل محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي وفق رغبات جماعة تتصرف وكأن الوطن ملكية خاصة، وكأن سنوات الحرب والحصار والتضحيات التي قدمها شركاء المواجهة لم تكن سوى مرحلة مؤقتة انتهت بانتهاء الحاجة إليهم. والأخطر أن من يُستهدفون اليوم ليسوا خصومًا للمشروع الوطني ولا طارئين على المشهد، بل كثير منهم وقفوا في خندق الوطن خلال أصعب سنوات الحرب والحصار، وتحملوا تبعات الموقف السياسي والوطني عندما كانت الكلفة باهظة والمخاطر مفتوحة على كل الاحتمالات. أما اليوم، فيُكافأ حضورهم بالإقصاء، وتُقابل تضحياتهم بمحاولات إبعادهم عن مواقع التأثير والقرار، في مشهد يكشف نزعة استحواذ لا تبني دولة، بل تؤسس لمزيد من الانقسام والاضطراب داخل ما تبقى من بنيانها الهش. ومن البديهي القول إن سلطة المجلس السياسي الأعلى بحكومة صنعاء قامت، في أصلها، على فكرة التوافق والشراكة بين قوى متعددة، كما أن الدولة اليمنية نفسها لا تزال في طور التشكل، ولم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار المؤسسي الذي يسمح لطرف واحد بالتصرف وكأنه المالك الحصري للسلطة أو الوصي الوحيد على مستقبل البلاد. وفي مثل هذه المراحل الانتقالية الحساسة، لا يكون نجاح السلطة مرهونًا بقدرتها على إقصاء الآخرين، بل بقدرتها على استيعاب القوى الحية في المجتمع وتمثيلها داخل مؤسسات الدولة. ولهذا فإن أي سلطة تأسيسية تفكر بعقلانية وواقعية لا يمكن أن تنخرط في مشروع تحييد شركائها أو إزاحتهم من مواقع التأثير. فالدولة الناشئة لا تُبنى بتجميع السلطة في يد فصيل واحد، وإنما بصناعة توازنات تضمن مشاركة مختلف المكونات وفقًا لأوزانها السياسية والاجتماعية. أما حين تُذعن السلطة لرغبات جماعة بعينها، أو تنحاز لتوجه ضيق يسعى إلى احتكار القرار، فإنها لا تعزز استقرارها كما قد تتوهم، بل تضعف الأساس الذي تقوم عليه عملية بناء الدولة نفسها. ما يجري اليوم يثير مخاوف حقيقية من أن تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ على أسس فئوية ضيقة، بحيث يُمنح فصيل واحد قدرة متزايدة على التحكم بمفاصل السلطة الحساسة، مقابل تهميش قوى أخرى شاركت في صناعة الواقع السياسي القائم. وهذه ليست مجرد مسألة تتعلق بتقاسم المناصب أو النفوذ، بل قضية تمس جوهر فكرة الدولة ومعنى الشراكة الوطنية. فحين تُتخذ القرارات بمعايير غير متوازنة، ويُنظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها غنيمة يمكن الاستحواذ عليها، فإن النتيجة الطبيعية ليست بناء دولة أقوى، وإنما إنتاج دولة أكثر هشاشة وعجزًا. ذلك أن أي ترتيب مختل للقوى داخل السلطة ينعكس مباشرة على قدرتها في إدارة المجتمع وتحقيق الاستقرار وصياغة مشروع وطني جامع. المشكلة الأعمق أن هناك من يتصرف وكأن امتلاك القوة يمنحه تلقائيًا حق الهيمنة الكاملة على المجال السياسي والإداري. غير أن التجارب التاريخية تثبت أن القوة وحدها لا تكفي لبناء الدول. فالدولة ليست جهازًا أمنيًا أو مؤسسة عسكرية فحسب، بل منظومة معقدة من السياسة والإدارة والخبرة والتنوع الاجتماعي والقدرة على إنتاج توافقات مستدامة. ومن الصعب تصور أن فصيلًا حديث العهد بإدارة الدولة، محدود الخبرة المؤسسية، ويفتقر إلى رؤية سياسية جامعة تستوعب مختلف مكونات المجتمع، يمكنه أن يتحول بمفرده إلى العمود الفقري لدولة كاملة. كما أن الاعتماد على القوة المجردة، في غياب الامتدادات السياسية والاجتماعية والإدارية الكافية، لا يصنع دولة، بل يصنع اختلالًا متزايدًا في بنيتها. واللافت أن مؤشرات هذا النهج لم تعد خافية. فهناك دعوات متكررة لإزاحة شخصيات ومسؤولين لا بسبب فشلهم المهني أو فسادهم، وإنما بسبب انتماءاتهم المناطقية، أو قربهم من أعضاء في المجلس السياسي الأعلى، أو تبنيهم مواقف سياسية لا تنسجم مع رغبات الطرف الأكثر نفوذًا. بل إن مجرد وجود تقاطع في الرؤية الوطنية أو التناغم السياسي مع بعض أعضاء المجلس أصبح كافيًا لوضع أشخاص ومؤسسات في دائرة الاستهداف. ومن المفارقات المؤلمة أن بعض من تُوجَّه إليهم سهام الإقصاء اليوم هم أنفسهم الذين وقفوا خلال سنوات الحرب والحصار في خندق الوطن، وساهموا في تثبيت الجبهة الداخلية ومؤسسات الدولة في أحلك الظروف. فبدلًا من الاستفادة من خبراتهم وحضورهم وإسهامهم في تعزيز حالة التماسك الوطني، يجري التعامل معهم وكأنهم عبء يجب التخلص منه أو خصوم ينبغي إبعادهم عن دوائر التأثير إن إقصاء من شاركوا في حماية الاستقرار الوطني لا يمثل إساءة لهم فحسب، بل يعكس قصورًا في فهم طبيعة الدولة نفسها، التي لا تُبنى بنكران أدوار شركائها، وإنما بالاعتراف بإسهاماتهم والاستفادة منها في صناعة المستقبل. هنا لا يعود النقاش متعلقًا بالدفاع عن حصة هذا الطرف أو ذاك من السلطة، فالمناصب في ظل الظروف الراهنة لم تعد تمثل مكاسب حقيقية بقدر ما تمثل أعباء ومسؤوليات. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الاستمرار بتهشيم ما هو مهشم أصلًا، وإضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة عبر قرارات تُبنى على اعتبارات ضيقة لا تراعي المصلحة العامة ولا توازنات المجتمع. وعلى من يدفعون بهذا الاتجاه أن يدركوا أن امتلاك القوة لا يمنح صاحبه تفويضًا مفتوحًا للاستحواذ على كل شيء. كما أن القوى السياسية والاجتماعية الأخرى لا يمكن شطبها من الوجود بقرارات إدارية أو بإقصائها من بعض المواقع. قد تُحاصر هذه القوى مؤقتًا وتُقلَّص مساحة تأثيرها في القرار، لكن ذلك لا يلغي حضورها الحقيقي في المجتمع، ولا يغير من أوزانها الفعلية. إن الدولة التي تُبنى على تجاهل حقائق المجتمع وموازين القوى ليست دولة مستقرة، بل مشروع هش يحمل عوامل تفككه في داخله. أما الدولة القابلة للحياة فهي تلك التي تستوعب الجميع، وتمنح كل قوة موقعها الطبيعي، وتتعامل مع الشراكة باعتبارها ضرورة وطنية لا منّة من أحد على أحد. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من يسيطر على المناصب؟ بل: أي دولة نريد بناءها؟ فإذا كانت الغاية هي قيام دولة لكل اليمنيين، فإن الطريق إليها يمر عبر الشراكة والتوازن والاعتراف بالآخر، لا عبر الإقصاء والاستحواذ ومحاولة إعادة تشكيل المجتمع وفق أهواء جماعة تعتقد أن القوة وحدها تكفي لصناعة المستقبل. ـــــــــــــــــــــــــــــ تنويه: المقال لا يعبّر عن رأي الموقع الإخباري "أجراس - اليمن" بل عن رأي كاتبه حصريًا.