1/30/2026 11:36:15 PM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
سياحة
رياضة
دراسات وأبحاث
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
89
يتخفى الخوف من «لا» داخل فضائل محترمة!!
يتخفى الخوف من «لا» داخل فضائل محترمة!! مقالات أجراس- اليمن كتب| بدر مصطفى تُهدر أعمار كاملة بغير أثر يرى؛ تهدر لأن كلمة واحدة مكونة من حرفين لم تُقَل في وقتها. كلمة قصيرة، خفيفة على اللسان، ثقيلة في العواقب. ومع كل يوم يمرّ تتراكم الأيام حول هذه الكلمة، ثم تُبنى فوقها سيرة كاملة من أدوار جرى قبولها بدافع من حياء، وعلاقات نمت على موافقة متكررة، حتى صارت “نعم” نمطَ عيش لا قرارًا. هكذا يُستنزف العمر بالتدريج، موافقة بعد موافقة، إلى أن يصبح الرضوخ هو السيرة، والاستجابة هي الهوية. ولأن قول «لا» في ظاهره فعل بسيط، فإنه في باطنه صراع على الحق في التعريف؛ فمن يقول «لا» يضع اسمه على حدود نفسه، ويعلن أن له مساحة، وأن هذه المساحة ليست مشتركة ولا متاحة بالتقادم. أما من يعجز عن قولها فإنه يعيش في أرض بلا سياج؛ فيظنها كل عابر ساحة عامة، ويتوهمها كل قريب حقًا في الإدارة، ثم لا يجد صاحبها سوى التكيف مع هذا السوء المتراكم كأنه قدر لا مفر منه. من هنا يبدأ الخوف في الغالب قبل أن نفهمه، إذ يتشكل في الطفولة داخل قاموس صغير لا يفرّق بين الاحترام والرضوخ. فتُمدح الطاعة حتى تبدو أعلى من الصدق، وتُكافأ اللياقة حين تبتلع الغضب. يُقال للولد: لا تُحرج عمك، ويُقال للبنت: لا تكسري خاطر خالتك. وهكذا يتحول «عدم الرضوخ» إلى «عدم احترام» وتهمة كبرى، ويصير الحدّ قسوة، ويُعامل الوضوح بوصفه خلل في التربية؛ ثم ينمو الإنسان داخل هذا الخلط الصامت، ويستيقظ بعد سنوات ليكتشف أنه لم يكن لطيفًا كما ظن، بل كان خائفًا. الخوف من «لا» إذن لا يصدر عن جبن فردي في معظم الأحيان، وإنما عن شبكة متراكمة من العقوبات الاجتماعية؛ فالمجتمع لا يجلد الرافض علنًا، لكنه يبدّل صورته، فيصبح «ثقيلًا»، ويُقال إنه «مُتعالٍ»، و«لا يعرف الأصول»، ثم تُخفّض قيمته في المخيلة العامة. ولأن هذا التخفيض أخطر من الغضب، إذ الغضب عاصفة تمضي، بينما الصورة إقامة طويلة في ذهن الآخرين، يختار كثيرون طريقًا أطول من الرفض المباشر: يراوغون، ويعتذرون، ويعدون ثم يؤجلون، ويفتحون الباب نصف فتحة ثم يتركونه على هذا الاتساع حتى تصير حياتهم ممرًّا للآخرين. ولذلك تبدو صورة كافكا قريبة هنا، ففي قصته القصيرة «أمام القانون» يقف الإنسان أمام مدخلٍ مفتوح شديد الإغراء، ثم يمضي عمره واقفًا؛ الحارس لا يغلق الباب، لكنه يزرع في الداخل رهبة الإقدام، ويحوّل الانتظار إلى عادة، والعادة إلى قدر. هكذا تعمل «لا» في حياتنا اليومية: كلمة متاحة في اللغة، محاصرة في العرف. حارسها ليس شخصًا بعينه، حارسها شبكة النظرات والتأويلات والحكايات الصغيرة التي تُكتب عنك في غيابك؛ وكلما طال الوقوف أمام الباب اتسعت حياة الآخرين في حياتك، حتى تصير أنت الضيف الدائم في وقتك. وثمة عقيدة صغيرة تُسمّى «مراعاة الناس» تتسلل تدريجيًا إلى حياتنا اليومية، وهي عقيدة تفرض طقوسها الخاصة: الاستجابة السريعة، والاعتذار قبل الكلام، والتخفيف من الحق بكلمات الرجاء، وتقديم الطلب على النفس، وتفضيل رضا الصورة على راحة الجسد. وباسم هذه الطقوس تُصنع سيرة لامعة وروح منهكة؛ فالناس يحبون هذا الشخص لأنه لا يزعجهم، بينما يكره هو حياته لأنه لا يستطيع أن يحبها. ويتعزز ذلك حين يُستدعى شخص بعينه دائمًا لأنه «ما يقصر». في البداية ربما يشعر هذا الشخص بالفخر، ثم يتحول الفخر إلى واجب، ثم يصير الواجب رهنًا؛ فإذا غاب أثار الاستغراب، وإذا تردد أثار العتاب، وإذا رفض أثار الاتهام. وهنا تضيء سينما كوروساوا في «إيكيرو» جانبًا قريبًا، إذ يقدم رجلًا قضى عمره في وظيفة بيروقراطية، يجرّ حياته كما يجرّ ملفًا سميكًا من غرفة إلى غرفة. كان عاجزًا عن قول «نعم» لنفسه وليس «لا» للآخرين؛ وحين جاءت لحظة الوعي كانت متأخرة، لأن الزمن يغادر دون أن يستأذن. ولأن الفيلم لا يرفع شعارًا أخلاقيًا، فإنه يتركك أمام حقيقة واحدة: الحياة التي تُعاش في وضع الاستجابة هي أشبه بنظام تشغيل. يتخفى الخوف من «لا» داخل فضائل محترمة: الوفاء، والبر، وحسن العشرة، وصون الود. غير أن هذه الفضائل تتحول إلى قيد حين تُستعمل ضد صاحبها؛ فيصير لطفه حجة عليه، وتغدو تضحيته حقًا يُطلب بلا توقف. وعند هذه النقطة يتبدل معنى الأخلاق؛ فالأخلاق لا تعني أن تُفني نفسك لإرضاء الجميع، إنها تعني أن تحمي إنسانيتك كي لا تتحول إلى مادة خام في مشروعات الآخرين. ثم يظهر شكل آخر من العجز عن الرفض، أكثر خداعًا لأنه يرتدي ثوب العقلانية؛ إذ يقول المرء لنفسه إنه لا يرفض كي لا يخلق مشكلات. لكنه في الحقيقة يشتري سلامًا سريعًا ويبيع سلامًا طويلًا؛ يدفع اليوم كي ينجو من توتر ساعة، ثم يدفع غدًا كي يحتمل عواقب سنة. وهكذا يصير العمر سلسلة مدفوعات صغيرة تُقتطع من الرصيد الداخلي؛ ولا يلاحظ أحد هذا النزيف لأنه بطيء، غير أن الدم هنا هو الرغبة، والوقت، والقدرة على التعاطف الحقيقي، واحترام الذات. الذين لا يقولون «لا» يصيرون خبراء في صناعة الأعذار؛ والعذر فن اجتماعي وقد يكون ضرورة، غير أن العذر حين يصير لغة ثابتة يتحول إلى خداع للنفس. فالمرء لا يرفض طلبًا، وإنما يرفض نفسه ثم يعتذر عنها، ويقدم للجميع نسخة ميسّرة من حياته، ثم يعود وحيدًا لينظر إلى الأصل الذي لم يوقّع عليه أحد سواه. والمفارقة القاسية تظهر حين يعجز بعض الناس عن قول «لا» لمن يؤذونهم، بينما يستطيعون قولها بسهولة لمن يحبونهم؛ لأن العلاقة الآمنة تسمح بالمخاطرة، أما العلاقة السامة فتفرض طاعة. وهكذا ينقلب الميزان، فيُسلب الرفض ممن يمنحون الأمان، ويُمنح الطاعة لمن يستنزفون؛ وبذلك يضيع معيار بدهي: الرفض ينبغي أن يذهب إلى منابع الاستنزاف لا إلى منابع الحنان. إن الرفض لا يحتاج إلى صوت عالٍ، يحتاج إلى جملة مستقيمة؛ غير أن الجملة المستقيمة تخلق حولها فراغًا، والفراغ يخيف الناس. لذلك يفضّل كثيرون ألمًا مألوفًا على فراغ جديد قد يفتح احتمالات أخرى؛ وهنا تتبدى المفارقة: «لا» هي كلمة لخلق ممكنات للمستقبل، وليس مهمتها فقط القطع بالرفض. فكيف تُستعاد «لا» دون أن يتحول الكلام إلى وصفات جاهزة؟ الخروج من نعم الدائمة يحتاج إلى تدريب ومجاهدة للنفس، و«لا» لا تُستعاد إلا حين تفهم ذاتك وحدودها. فأنت لست «ذلك الشخص الذي لا يرد أحدًا»، ولست «صاحب الواجبات»، ولست «المتاح دائمًا». هذه أسماء مستعارة تُلصق بك كي يسهل استعمالك، وكل اسم مستعار يحتاج تفكيكًا؛ والتفكيك يبدأ حين تلاحظ الجمل التي تقولها تلقائيًا: «حاضر»، «أبشر»، «تم». كلها استجابات تخرج تلقائيًا لتعلن أنك متاحًا أكثر مما ينبغي. ثم تأتي لحظة ثانية، وهي أن تقول «لا» مرة واحدة في مكان غير درامي: بلا خطاب طويل، وبلا شرح زائد، وبلا التماس رضا؛ كلمة محترمة محددة مقفلة، لا زخرفة فيها، ولا اعتذار يبتلع معناها. عندئذ تكون «لا» أشبه بإعادة الترتيب لذاتك: وقتك لك، وجسدك لك، وطاقتك لك، وحياتك ليست مخزنًا مفتوحًا. بالطبع ستظهر مقاومة، لأن الناس اعتادوا نسخة منك، والنسخ المريحة تدافع عن نفسها. ستسمع: تغيّرت، تعقّدت، لم تعد مثل أول. وهذه الكلمات هي في الأصل شهادة على أنك خرجت من صورة كانت تستهلكك. ومع ذلك، «لا» لا تصلح كل شيء، لكنها تمنحك شيئًا أعمق: تمنحك القدرة على أن تقول «نعم» بصدق. نعم الصادقة لا تولد من الخوف، وإنما تولد من الحرية. وفي النهاية، لا يضيع العمر لأننا نخطئ كثيرًا، وإنما لأنه يُعاش في صورة مستمرة من التأجيل؛ نؤجل كلمة واحدة، ثم نرى السنوات تمضي. كذلك لا يُسرق العمر دائمًا بأحداث كبرى، فهو يُسرق أحيانًا بالتهذيب حين يتحول إلى قيد، وبالطاعة حين تُقدَّم بوصفها فضيلة مطلقة، وبالخوف من صورة يصنعها الآخرون ثم يطالبونك بالعيش داخلها. فقل «لا»، وسترى كيف يتغيّر الهواء حولك؛ يتراجع الذين كانوا يعيشون على اتساعك، ويبقى من يعرفك بوصفك إنسانًا لا وظيفة. وعندها فقط يظهر معنى كان مختبئًا طوال الوقت: الحياة التي لا تملك فيها حق الرفض، حياة لا تملكها.
قد يهمك ايضاً
الفريق سلطان السامعي يعزّي أسرة المناضل العقيد محسن بركات
من ساحة استنزاف إلى عمق استراتيجي اليمن والخليج: من الصراع إلى شراكة تخدم الجميع..؟!
حين يتحوّل الصمت إلى سياسة..من يحمي المواطن من الانهيار الداخلي؟
حرب الاستنزاف الكبرى: سيناريو المواجهة الأمريكية–الإيرانية وأثمانها الإقليمية .. إليكم التفاصيل))
مؤشرات مقلقة في مسار متوتر… طهران تلوّح بردّ «غير مسبوق» وواشنطن تحشد أكبر أسطول عسكري
تقرير خاص | الحرب قبل إيران: من لبنان الى العراق واليمن صراع الجبهات الموزعة تشتعل..
الصفقة أم الحرب؟ خيارات طهران وواشنطن الحاسمة..
باحث يمني ينال درجة الدكتوراه بامتياز عن "الأحكام العامة للمخالفات في القانون اليمني"
يتخفى الخوف من «لا» داخل فضائل محترمة!!
(إدارة عباد وسياسة عبده الجندي..وحكمة السيد) بقلم(الرجل الحكيم)مقال تحليلي..