2/4/2026 11:11:43 PM
موقع إخباري مستقل - منوع
رئيس التحرير : ايوب التميمي
الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
سياحة
رياضة
دراسات وأبحاث
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
94
رأى| الاستغناء..حين تصبح الكرامة فعلًا يوميًا..!!
رأى| الاستغناء..حين تصبح الكرامة فعلًا يوميًا..!! رأى| أجراس- اليمن-الاخباري بقلم/بدر مصطفى تبدو الحياة الحديثة وكأنها تُدار من منطق الحاجة. حاجة إلى الاعتراف، وحاجة إلى الوصول، وحاجة إلى الامتلاك، وحاجة إلى البقاء داخل دائرة القبول… ويتعلم الإنسان منذ وقت مبكر أن الرغبة قوة دافعة، وأن الطموح فضيلة، وأن التعلّق دليل حيوية. ومع ذلك، يتكشف مع الزمن أن كثيرًا مما نشأنا على اعتباره ضروريًا كان في الواقع عبئًا متراكمًا، وأن الطاقة التي أُنفقت في السعي لم تكن دائمًا في اتجاه الحياة، بل في اتجاه إثبات الوجود داخل شروط لا نختارها بالكامل. في هذا السياق، يبرز الاستغناء بوصفه فضيلة وجودية عليا. فضيلة لا تقوم على الحرمان، ولا تُمارَس بدافع الزهد، ولا تتخذ هيئة موقف احتجاجي. هي حالة اكتمال داخلي، تنشأ حين يعيد الإنسان ترتيب علاقته بما يحيط به، وحين يتضح له أن كثيرًا مما كان يظنه أساسيًا يمكن الاستمرار دونه بغير أن يختل المعنى. وهذا الاكتمال لا يُقاس بما يُترك ويُزهد فيه، بل بما يتحرر في الداخل. لا يولد الاستغناء من ضيق الخيارات، بل من وضوحها. لحظة يدرك الإنسان أن الرغبة حين تُترك دون مساءلة تتحول إلى استنزاف، وأن الحاجة حين تُضخَّم تفقد براءتها. وفي تلك اللحظة، لا يشعر بأن شيئًا يُسلب منه، بل يشعر بتحرر من نوع جديد، وباتساع في المساحة الداخلية التي كانت طوال الوقت مشغولة بحساباتها الدنيوية المرهقة. يصبح قادرًا على التمييز بين ما يريده فعلًا، وما اعتاد أن يطلبه لأن العالم أقنعه بضرورته. إن الرغبة، حين تُدار من الخارج، تصبح أداة ابتزاز غير مباشرة. كل ما نحتاجه أكثر مما ينبغي يفرض علينا حسابات إضافية، ويجعل لغتنا أكثر حذرًا، ومواقفنا أكثر ليونة، وحدودنا أقل وضوحًا. ومع تراكم هذه الحسابات، يبدأ الإنسان في تقديم تنازلات صغيرة لأنها تُسهّل عليه الطريق. فيؤجل صراحته، ويخفف حدته، ويعيد صياغة مواقفه حتى لا يخسر فرصة، أو مكانة، أو قبولًا مؤقتًا. لكن الاستغناء يضع حدًا لهذا المسار، لأنه يُنهي الحاجة التي يقوم عليها. من يستغني، لا يجد نفسه مضطرًا للتنازل، لأن التنازل يفترض تعلقًا سابقًا. وحين يخف هذا التعلق، تتراجع تلقائيًا تلك السلوكيات التي تُمارَس تحت ضغط الوصول. يفقد التملق وظيفته، وتصبح المهادنة بلا معنى، وتستعيد اللغة بساطتها. لا يعود الإنسان محتاجًا إلى تزيين مواقفه، ولا إلى تأجيل قناعاته، ولا إلى تقديم نفسه في صورة قابلة للاستهلاك. فالاستغناء يمنحه قدرة هادئة على أن يكون حاضرًا دون أن يكون قابلًا للاستخدام. لا يعني هذا قطيعة مع العالم، ولا انسحابًا من العلاقات، ولا رفضًا للطموح. فالاستغناء يعيد تعريف العلاقة مع كل ذلك. العلاقة تبقى، لكنها تتحرر من الارتهان. والطموح يستمر، لكنه يفقد طابعه القهري. والوصول يظل ممكنًا، لكنه لا يُطلَب بأي ثمن. من يستغني يحتفظ بحريته في القبول والرفض، وفي البقاء والمغادرة، وفي القول والصمت، دون أن يشعر بأن أحد الخيارين يهدد وجوده. هكذا يتجلى الاستغناء بوصفه أعظم فضيلة، في رأيي، لأنه يحمي الإنسان من أن يتحول إلى وسيلة في مسار لا يخصه بالكامل. يحفظ له سيادته الداخلية، ويمنحه قدرة على العيش دون مقايضة، ودون تملق، ودون مهادنة تُفرغ الطريق من معناه. وفي هذا تتجسد كرامة الإنسان في أوضح صورها، وأكثرها رسوخًا. ففي أحد أكثر التعريفات رسوخًا للكرامة الإنسانية، يربط الفيلسوف الألماني كانط قيمة الإنسان بكونه غاية في ذاته، لا وسيلة لغاية أخرى. الإنسان الكريم، في هذا التصور، لا تُقاس قيمته بما ينتجه، ولا بما يقدّمه، ولا بما يُنتظر منه، بل بكونه كائنًا لا يجوز استخدامه لتحقيق أهداف خارجية. وهذه الفكرة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل تبعات وجودية عميقة حين تُنقل من مستوى التنظير الأخلاقي إلى مستوى العيش اليومي. في الحياة الواقعية، لا يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن كرامته دفعة واحدة. فما يُطلب منه يبدو أقل فداحة: أن يلين قليلًا، وأن يخفف حدوده، وأن يعيد صياغة موقفه ليكون مقبولًا، وأن يسمح لنفسه بأن تُستَخدم مرحليًا في سبيل الوصول. ومع تكرار هذه الطلبات الصغيرة، تتحول الذات من غاية إلى وسيلة عبر سلسلة من التكيّفات التي تُزينها الرغبة بالحكمة، أو بالواقعية، أو بضرورات المرحلة. غير أن الاستغناء، في هذا السياق، يظهر بوصفه الممارسة العملية لفكرة الكرامة. فمن يستغني، يرفض أن يدخل في علاقات تقوم على الاستخدام، حتى حين يكون هذا الاستخدام ناعمًا أو مغلفًا بالفرص. وحين يمتنع الإنسان عن التنازل الذي يفرغ موقفه من معناه، وحين يرفض الوصول الذي يتطلب تشويه الحدود، وحين يقبل البطء بدل الاندفاع المشروط، فإنه لا يمارس زهدًا، بل يمارس احترامًا لذاته بوصفها غاية. بهذا المعنى، يصبح الاستغناء حماية للكرامة الإنسانية من التآكل اليومي؛ ليس التآكل الذي يأتي من القهر المباشر، بل ذاك الذي يأتي من التوظيف المتكرر، ومن المقايضة الرمزية، ومن تحويل الإنسان إلى مرحلة في مشروع لا يخصه بالكامل. يضع الاستغناء حدًا لهذا الانزلاق الناعم، ويعيد تثبيت الذات في موضعها الأصلي: موضع لا يُساوَم عليه. ————————————– تنويه: المقال لا يعبّر عن رأي الموقع الإخباري "أجراس - اليمن" بل عن رأي كاتبه حصريًا.
قد يهمك ايضاً
“النفوذ أم القانون؟ معركة الشيباني على مصنع كميكو بين القرارات الموثقة والأوامر المتجاهلة”من يحمي عبدالكريم الشيباني؟
“من قصر الرئاسة إلى الزنازين: القصة الكاملة لابنة صدام حسين الممنوعة من الاسم”
انفراجة إنسانية: استئناف رحلات UNHAS إلى صنعاء.
انهيار مسار التفاوض النووي.. واشنطن تلغي محادثات الجمعة وتلوّح بخيارات بديلة ضد إيران
"نهاية الإمبراطورية؟ كيف تدمّر أمريكا نفسها من الداخل عبر سياسات الهيمنة
جزيرة إبستين: من زارها حقًا؟و ما تخفيه الصفحات الثلاثة ملايين.. تفاصيل اكثر+ صور
الصفقة أم الحرب؟ خيارات طهران وواشنطن الحاسمة..
باحث يمني ينال درجة الدكتوراه بامتياز عن "الأحكام العامة للمخالفات في القانون اليمني"
رأى| الاستغناء..حين تصبح الكرامة فعلًا يوميًا..!!
نافذ" يدّعي التسلط على نيابات غرب محافظة إب! واستغلال منصبه لقمع المواطنين!